دفتر أحوال الفساد ” أغسطس 2017 ”

140 مليون جنيه فاتورة الفساد في شهر، والسبب ” الذين سقطوا في الوحل”

 

تمهيد:

تعيد مؤسسة شركاء من أجل الشفافية إصدار سلسلتها الدورية الشهرية المعنونة ب ” دفتر أحوال الفساد ” بعد أن توقفت لشهر واحد بسبب إدخال بعض التطوير على التقارير الشهرية، وتضمينها لأبعاد أخرى أكثر عمقا في تحليل ظاهرة الفساد ومدى انتشارها، وتطوير آلية الرصد والمتابعة.

من واقع خبرة المؤسسة خلال العامين الماضيين فإن وقائع الفساد يتفاوت تأثيرها وفقا لعدة اعتبارات من أهمها طبيعة الشخص أو الأشخاص المتورطين في الواقعة ، الهيئة أو الجهة التي يتبعها المتورط في القضية وموقعه داخل الهيكل التنظيمي لها ، فضلا عن اعتبارات أخرى كالخسارة المالية الناتجة عن الواقعة ، لذا فإن التقرير الحالي إلى جانب رصده وتصنيفه لوقائع الفساد بشكل عام ، فإنه سيتناول بالتحليل عدد من أهم الوقائع المؤثرة خلال الشهر   تحت عنوان ” روايات على هامش الدفتر” ، ليقدم للقارئ الجوانب المختلفة المتعلقة بالواقعة وطبيعة السياسات والأطر الحاكمة والممارسات التي أسهمت في حدوثها ومدى قابليتها للتكرار ، وحزمة الإجراءات المطلوب تبنيها لضمان عدم تكرارها .

كما سيقدم التقرير لأول مرة تقديرا للتكلفة المالية لوقائع الفساد خلال الشهر وذلك ضمن تناول جديد للتوزيع الإحصائي والمالي لوقائع الفساد خلال الشهر ، وهي التكلفة التي تعبر عن مجموع ما تم إهداره أو اختلاسه أو دفعه كرشاوى وعمولات غير مشروعة وفقا للأرقام المنشورة قرين كل واقعة ، وهي بالطبع قيمة لا تعبر عن التكلفة الدقيقة لكل وقائع الفساد التي شهدها الشهر ، ولكن فقط تكلفة ما امكن تقديره أو تقييمه ماليا .

الذين سقطوا في الوحل …روايات على هامش الدفتر

  1. المرأة الحديدية تسقط في وحل الفساد

كانت بدايتها طبيبة بيطرية بعد تخرجها من كلية الطب البيطري بجامعة القاهرة عام 1981 وتدرجت وظيفيا بسرعة لتصل إلى وكيل إدارة المجازر والتفتيش بمحافظات “السويس، الشرقية، البحر الأحمر، ثم وكيل وزارة الطب البيطري بالقاهرة” حتى أصبحت أول امرأة في مصر تتولى منصب نائب المحافظ

المتهمة سعاد الخولي كانت تصر على الظهور بمظهر ” المرأة الحديدية ” ، وبالطبع كانت تجيد صناعة ” الشو ” أمام الإعلام والكاميرات ، وتستعرض عضلاتها على موظفين بسطاء كواقعة المدرسة المنقبة التي أصرت نائبة المحافظ ( والقائمة بعمل المحافظ وقتها ) على إهانتها أمام الكاميرات ، وما رسخ صورة ” المسئول الممسك بخيوط اللعبة ”  لسعاد الخولي هو نجاحها في الاحتفاظ بمنصبها رغم تعاقب ثلاث محافظين على المحافظة وهم هاني المسيري والمهندس محمد عبد الظاهر واللواء رضا فرحات.

تاريخ سعاد الخولي المتهمة بالفساد والتواطؤ مع رجال أعمال ضد مصلحة الوطن يقول إنها سافرت إلى عدة دول أجنبية منها البرازيل، ألمانيا، المجر، وغيرها من الدول لمعاينة المجازر ولإعداد وتدريب الكوادر الجديد ، وهو ما يفتح أمامنا ملفات المجاملة والمحسوبية في اختيار المعنيين بتمثيل مصر في هذه الأنشطة الخارجية المهمة التي يرتبط بعضها بصحة الناس وحياتهم .

الدكتورة سعاد الخولي، البيطرية والملقبة بـ”المرأة الحديدية ، نجحت  في ظل هلامية المعايير وتغليب عناصر الثقة على عناصر الخبرة والنزاهة أن تثبت للقيادة السياسية جدارتها على تولي منصب محافظ الإسكندرية بالإنابة، لمدة لا تقل عن ثلاثة أشهر بعد رحيل هاني المسيري.

شهر أغسطس شهد اسدال الستار على أسطورة سعاد الخولي ، حيث ألقت هيئة الرقابة الإدارية القبض على عليها داخل ديوان عام المحافظة، عقب ثبوت تورطها في عدة وقائع فساد تشمل الرشوة والإضرار بالمال العام والتربح بما يتجاوز مليون جنية، مع 5 رجال أعمال تم ضبطهم أيضًا واعترفوا عليها .

لا يكاد يمر أسبوع إلا وتستيقظ مصر على كارثة في محافظة الإسكندرية ناتجة عن فساد المحليات الذي يتجسد في المباني المخالفة التي تسقط على رؤوس الناس ،  ونعتقد أن الأمر الآن أصبح جليا وواضحا للعيان ، فحياة الناس تدفع كفاتورة لفساد مسئولين على شاكلة سعاد الخولي .

إن واقعة سعاد الخولي تثبت بما لا يدع مجالا لشك أن الأطر القانونية الحاكمة للسلطات المحلية خاصة المتعلقة بتصاريح البناء والرقابة على المباني والشوارع والبنية الأساسية تتطلب إصلاحا جذريا ، كما أن الإجراءات والمعايير المتعلقة باختيار قادة الجهاز التنفيذي المحلي تحتاج هي الأخرى لإعادة نظر بشكل جذري حتى لا نستيقظ غدا على ” سعاد الخولي ” جديدة .

 

2- فاسدين في محراب العدالة .. قاضي الإسكندرية نقطة سوداء جديدة في الثوب الأبيض

” بريطانيا بخير، طالما القضاء بخير ” ، حكمة خالدة صرخ بها ونستون تشرشل في وجه من طالبوه بعدم تنفيذ حكم قضائي بنقل مطار حربي بعيدا عن مدرسة نظامية أثناء الحرب العالمية الثانية، وهي الحكمة ذاتها التي تصلح لأي وطن، فقط احذف اسم بريطانيا وضع أي دولة أخرى ثم انظر إلى قضائها، فإذا كان بخير فحتما ستنتصر ، ليس في الحرب فقط ، ولكن في التنمية أيضا .

شهر أغسطس 2017 شهد ضبط رئيس محكمة جنح الإسكندرية بتهمة تلقي رشوة مقابل الحكم لصالح احد المتهمين في القضية الماثلة أمامه ، وهي الواقعة التي جعلت هؤلاء المؤمنين بمقولة تشرشل والذين يعولون على مؤسسة القضاء المصري يتحسسون قلوبهم ، خاصة أن الواقعة لا يمكن قراءتها إلا في سياق وقائع أخرى شهدتها الشهور الأخيرة .

فبعد شهور قليلة من قضية الرشوة الكبرى بمجلس الدولة التي تورط فيها أمين عام المجلس وشنق نفسه على إثرها بعد أن استشعر العار الذي لحقه ، استيقظ المصريون على ضبط قاضي بتهمة تهريب المخدرات في سيارته الخاصة قبل أن يكشفه ” كلب ” بوليسي ثم تقوده الجهات المعنية إلى حيث يلاقي عقابه العادل ، وها هي واقعة قاضي الإسكندرية تأتي لتزيد أوجاع المؤسسة الوطنية العريقة التي يشهد تاريخها وحاضرها على تجردها ونزاهتها ونقاء ثوبها حتى لو لوثت بعض أطرافه واقعة هنا أو أخرى هناك .

من حق الشعب أن يشعر ” بغصة ” في الحلق من واقعة قاضي الإسكندرية ، لكنها غصة لا تنسينا أبدا أنه  على مدار الحقب التاريخية السابقة كان القضاء المصري خصما لكل الأنظمة الفاسدة ، وجدارا مانعا بين ممارسات جائرة لسلطة أو ممارسات فاسدة وفاشية لجماعة من جانب وشعب مستمسك بقضاته ومراهن عليهم من جانب آخر ، ومن ثم فنحن على ثقة من ثوب العدالة قادر على تطهير نفسه في نهاية المطاف .

إلا أن هذه الواقعة وما سبقها تفرض علينا أن نؤكد على ضرورة إعادة النظر في معايير وقواعد الاختيار للعاملين في السلك القضائي ، خاصة أن هذه المعايير أدت في السنوات الماضية لجدل مجتمعي واسع على خلفية استبعاد عدد من المتفوقين علميا بناءا على تصنيف اجتماعي لا يليق ، وفي المقابل انحازت المعايير لعدد كبير من أبناء قضاة حاليين وسابقين لم يكونوا هم الأفضل من أقرانهم بمعايير التميز العلمي والتفوق الدراسي .

 

3- الضرائب والجمارك .. عندما تدفع إيرادات الدولة السيادية فاتورة الفساد                              

شهر أغسطس 2017 شهد الكشف عن وقائع فساد في هيئتين من أهم هيئات وزارة المالية ، وهما الهيئتان المسئولتان عن تحصيل الموارد السيادية للدولة المصرية الضرائب والجمارك ، ومن ثم فالفساد هنا يعني مباشرة إضاعة أموال على موازنة دولة تئن بطبيعتها ، ولا تتحمل ضربات إضافية من جهات يفترض فيها السعي لزيادة إيرادات هذه الموازنة وليس الخصم منها .

فخلال الشهر الماضي قامت هيئة النيابة الإدارية بإحالة قيادات سابقة وحالية بوزارة المالية للمحاكمة في اهدار المال العام بما يقدر  32مليون جنية  وهما رئيسي مصلحة الضرائب السابقين ورئيس هيئة الخدمات الحكومية ومستشار وزير المالية لشئون الجمارك وأيضاً بعض المستشارين من خارج المصلحة التي ثبتت المستندات صحة الاتهام  الموجه لهم باختلاس واستغلال النفوذ وتعارض المصالح بصرف مكافات وحوافز لجهات تفتيش .

ومن عجائب الأمور أن يشهد شهر أغسطس ضبط رئيس لجنة مكافحة التهرب الضريبي برشوة 2مليون من مستأجري شواطئ مارينا بالساحل الشمالي ليغض بصره عن سداد مستحقات الدولة التي تقدر بعشرات الملايين من الجنيهات نتيجة الاستخدام المخالف للشواطئ ، وهكذا تحول محارب الفساد ذاته إلى فاسد ، وتحول الرجل الذي يفترض فيه ملاحقة المتهربين من أداء الواجب الوطني إلى ملاذ آمن لهؤلاء الذين تضاءل الوطن في قلوبهم أمام شهوة اكتناز المال الحرام .

أبي شهر أغسطس أن يمر إلا وقد كشف عن ملمح آخر من ملامح غياب الضمير لدي فئة أخرى من فئات موظفي الضرائب والجمارك والمراقبة المالية ، فقد تم الكشف عن  قيام مراقب حسابات بوزارة المالية بمصلحة الجمارك بعرض مبلغ 2.5 مليون جنيه رشوة علي مدير عام الحسابات والموازنة بذات المصلحة مقابل معاونة الأخير له في الاستيلاء على مبلغ 47 مليون جنيه من ميزانية مصلحة الجمارك عن العام المالي 2015 /2016 والتي لم يتم استخدامها ووجب نقلها كحسابات دائنة حيث يشاركان معًا بالتوقيع الإلكتروني على ذات الحساب البنكي الخاص بموازنة مصلحة الجمارك وبموجبه سيتم نقل المبلغ إلكترونيًا إلى حساب بنكي آخر بأحد البنوك القومية تمهيدًا لاقتسامهما المبلغ مع صاحب الحساب البنكي والتي تمت احالته للتحقيق من قبل هيئة الرقابة الإدارية .

عندما بحثنا على النوافذ الإلكترونية بالمصالح التابعة لوزارة المالية وجدنا منشورا يفيد بأن رئيس الإدارة المركزية للتخطيط الاستراتيجي بمصلحة الجمارك أطلق فى يونيه الماضي مبادرة مكافحة الفساد بالمصلحة عبر الصفحة الرسمية على «فيس بوك» وتلقى الشكاوى وعرضها على رئيس المصلحة ، ونعتقد أن الوقائع الأخيرة تستلزم من الرجل أن يتمسك بأهداب مبادرته ويعمل على تطويرها لتستطيع سد الثغرات العديدة التي تسرب منها الفاسدون إلى أموال الشعب واستباحوا لأنفسهم نهبها لأنفسهم أو التغاضي عن ناهبيها مقابل اقتسام الغنائم الملوثة بالعار .

إن الوقائع الأخيرة تستلزم من وزارة المالية إعادة النظر في الأطر القانونية الحاكمة لعمل مصلحتي الجمارك والضرائب ، فهما أداة الدولة الرئيسية في دعم  الاستثمار  والإنتاج ، وهي الهيئات الأمينة على الموارد السيادية لموازنة الدولة  المثقلة بالالتزامات ، كما أنه على وزارة المالية التوسع في استخدام الوسائل التكنولوجية وتقليل الاعتماد على التعامل البشري والتقدير الشخصي لقيم الجمارك والضرائب المستحقة .

 

وقائع الفساد خلال شهر أغسطس .. نظرة إحصائية وتقييم مالي

شهد شهر أغسطس 60 واقعة فساد توزعت فيما بين عدد من قطاعات الدولة المختلفة ، حيث تشير البيانات إلى أن قطاع التموين شهد أكبر عدد من وقائع الفساد بنسبة 18%   من إجمالي الوقائع المرصودة  ، يليه كلا من  قطاعات الصحة والمالية بنسبة 10% لكل منهما  ، ثم قطاع المحليات و الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و التربية والتعليم والزراعة والعدل  بنسبة 8%  لكل  منها ، بينما قطاعات الأوقاف و الداخلية والنقل وقطاع الأعمال العام والكهرباء والتجارة والصناعة و النقابات والثقافة  كان نصيبها مجتمعة 20% من وقائع الفساد خلال شهرأغسطس2017 .

 

جغرافيا ، مازالت محافظة القاهرة تشهد العدد الأكبر من وقائع الفساد خلال شهرأغسطس2017 حيث شهدت 30% من وقائع الفساد التي تم رصدها خلال الشهر  ,يليها محافظة الجيزة بنسبة 12% من الوقائع , ثم تأتى محافظة البحيرة بنسبة 10% من  الوقائع ,تليها كلا من محافظات الشرقية و سوهاج وكفر الشيخ وقنا والإسكندرية والفيوم بنسبة  5% لكل منهما  , بينما شهدت كلا من محافظات  بنى سويف والغربية والبحر الأحمر والسويس وأسيوط والإسماعيلية و أسوان وجنوب سيناء  مجتمعة على 19%  من إجمالي  الوقائع .

 

فيما يتعلق بالموقع القضائي لوقائع الفساد ، فقد جاءت الوقائع قيد التحقيق في المرتبة الأولى ضمن وقائع الفساد خلال شهرأغسطس   2017  حيث سجلت النسبة الاكبر بواقع 65% من أجمالى 60  واقعة ، تليها الوقائع التى قيد المحاكمة برصيد 22% , ثم تأتى الوقائع التى تم الحكم بها  بواقع 10 % ، ثم الوقائع التي لم يحقق بها في المرتبة الأخيرة بنسبة 3% .

بلغت قيمة التكلفة المقدرة لوقائع الفساد  التي تم ضبطها خلال  شهر أغسطس من الاختلاس والرشوة واهدار المال العام ما يقرب من 140 مليون ، وتحديدا بلغت قيمة المبالغ المعلن عنها في بعض – وليس كل –  الوقائع  139مليون و944الف و620 جنية  ، وهي قيمة تقديرية أولية ، وقد استحوذت وقائع القبض على بعض مسئولي هيئتي الجمارك والضرائب على النسبة الأكبر من هذه التكلفة  .

 

 

 

 

 

 

أضف الرد !

Your email address will not be published.